تجارة الذهب بين الحلال والحرام


«الحلالُ بيِّنٌ والحرامُ بيِّنٌ، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس»، حديث شريف عن النبي  " صلى الله عليه وسلم" ، يسمع عنه الكثيرون منا، لكن القليل من يتحرى تطبيق هذا الحديث في حياته اليومية العملية، وتجارة الذهب من الأمور التي تقع ضمن نطاق هذا الحديث الشريف، حيث إنها تحتوي على بعض المحاذير الشرعية، والتي قد يقع فيها الكثير من الناس سواءٌ تجَّار الذهب الذين يقومون ببيعه، أو من يقومون بشراء الذهب من التاجر . 

50% من المستهلكين والتجار لا يعرفون صور البيع المحرمة

 

في تحقيقنا اليوم نسلط الضوء على بعض الأخطاء والمحاذير الشرعية التي تقع في تجارة الذهب، حيث إنها من الأمور التي تنتابها الكثير من الشبهات في البيع والشراء، والتي قد يقع فيها البائع تاجر الذهب أو المشتري، أو قد يقع فيها كلاهما معًا بقصد أو بدون قصد.

 

وقد ارتأينا في هذا العمل أن نجري بعض اللقاءات مع أهل العلم والمشايخ لكي يدلونا على ما يكثر الوقوع فيه بطريق الخطأ في تجارة الذهب، كما أننا قمنا بإجراء حوارٍ ميداني مع بعض تجَّار الذهب حتى يشرحوا لنا الصورة بشكل أوضح، وإتمامًا للفائدة أخذنا برأي بعض «الزبائن» الذين يتعاملون في بيع وشراء الذهب، وما إذا كانوا على علمٍ بما يجب وما لا يجب في هذا الأمر.. وهناك نقـــاطٌ أخرى كثيرة تناولناها في هذا التحقيق التالي.

 

في البداية، قال الأستاذ بكلية الشريعة بجامعة الكويت الدكتور بسام الشطي: إن هناك صورًا عدة من بيع الذهب قد تدخل في نطاق البيع المحرم، ويغفل عنها بعض الناس، سواءٌ كانوا بائعين للذهب، أم كانوا مشترين له، ومن هذه الصور: أن يريد شخص ما أن يشتري ذهبًا فيذهب للبائع صاحب محل الذهب ويشتري منه ما يريده من الذهب، ثم يعطيه جزءًا من المال، ويقول له: سأعطيك الجزء الباقي فيما بعد، ويحدد له ميعادًا آخر غير الذي تمت فيه عملية البيع والشراء، وأشار الدكتور الشطي في هذه الجزئية إلى حديث النبي  " صلى الله عليه وسلم"  والذي قال فيه: «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبُرّ بالبُرّ... مِثْلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد»، حيث حرم الشارع الكريم أن تتم عملية بيع وشراء الذهب بصورة آجلة، ويجب أن تتم في الحال دون تأجيل، وأضاف الشطي صورة أخرى من الصور المحرمة وهي تأجير الذهب، حيث إن هناك البعض ممن لا يقدر أن يشتري الذهب لغلو سعره في هذه الأيام فيلجأ إلى استئجاره يوم عرسه ثم يقوم بإرجاعه مرة أخرى بعد أن استعمله هذه الليلة.

 

وأشار إلى أن هناك صورة منتشرة في بيع وشراء الذهب، ألا وهي البيع بالأقساط، كأن يقوم المشتري بسداد قيمة الذهب على أقساط، وهذا ما يتنافى مع صريح الحديث الشريف، حيث يجب أن يكون بيع الذهب وشراؤه يدًا بيد، ومثلًا بمثل، وسواء بسواء، إضافة إلى ذلك فإن هناك البعض عندما يريد أن يبيع ذهبه فيذهب للتاجر ليبيعه؛ فيشترط عليه التاجر أن يشتري منه الذهب بشرط أن يقوم بائع الذهب بشراء ذهب آخر منه، وهذا لا يجوز، وهو محرم شرعًا، مشيرًا إلى أن الصورة الصحيحة لإتمام هذا البيع أن يقوم الذي يريد بيع ذهبه ببيعه لتاجر الذهب دون اشتراط من التاجر أن يبيعه ذهبًا مقابل شرائه الذهب القديم. فيجب فصل العمليتين بعضهما عن بعض.

 

وأكد الشطي أن هذه الصورة من صور بيع الذهب المحرمة يماثلها تمامًا الصورة التي يريد فيها المشتري استبدال ذهبه القديم - أو (الكسر) كما يقال – بآخر جديد مع دفع فرق المصنعية للبائع، وأن هذه الصور من صور البيع المحرمة منتشرة في الكويت خاصة ودول الخليج عامة، وتابع أن هذا البيع المحرم ينطبق على الذهب والفضة، كما ورد فيهما الحديث الشريف.

 

ولعل السبب في تحريم مثل هذه الصور من بيع الذهب وشرائه، كما ذكرها الدكتور الشطي أن الذهب من السلع المتغيرة السعر بين الفينة والأخرى، وسعره يتغير من يوم لآخر، بل من ساعة لأخرى، فيجب أن تتم عملية البيع والشراء بوضوح شديدين، وفي الحال غير مؤجلة، حتى لا يحدث ضرر بأي من طرفي عملية البيع، سواء الزبون أو البائع تاجر الذهب.

 

لكن ما رأي تجار الذهب في مثل هذه الأحكام الفقهية، والأمر نفسه بالنسبة للمشتري، وهل لديهم من العلم والدراية ما يجنبهم الوقوع في مثل هذه البيوع المحرمة، وهل يأخذون الحيطة والحذر ويتحرون الحلال والحرام فيها.. هذا ما استوضحناه من أحد تجار الذهب عندما سألناه عن معرفته بمثل هذه الصور المحرمة من بيع الذهب، أكد أن بيع الذهب بالذهب محرم شرعًا، ولديه العلم بهذا الأمر، وأن بيع الفصوص والأحجار التي تكون مع الذهب على أنها ذهب حرام أيضًا، وشبه تجارة الذهب بأنها تجارة يهود – على حد تعبيره – وأنه لابد من التدقيق فيها بشدة، لأن التعامل فيها يتم بالجرام، وأن التدقيق فيها يأخذ وقتًا طويلًا حتى يتم تحري الحلال من الحرام.

 

وأضاف إن هناك بعض «الزبائن» يأتي إليه ليستبدل الذهب الذي لديه، كأن يكون لديه أربعون جرامًا من الذهب ويريد أن يستبدل بها ثلاثين جرامًا جديدة، وهذا محرم وأنا لا أرضى به، لكن أوضح للزبون بأنه يجب في البداية أن تتم عملية بيع الذهب المستعمل، وتتم العملية كاملة، ثم إن الزبون بعد ذلك بالخيار، فله أن يشتري ذهبًا جديدًا أو لا. فالمهم أن أوضح للزبون أنه لابد أن تتم كل عملية بشكل منفصل عن الأخرى.

 

وأرجع الزعبي السبب في هذا حتى لا يحصل غرر أو غش يلحق الضرر بأي من طرفي عملية البيع والشراء، فلابد أن تتم كلتا العمليتين بوضوح شديد، ومنفصلتين عن بعضهما البعض، وحتى لا يتم استغلال الموقف أو حاجة كل من البائع أو المشتري، فتتم عملية البيع والشراء بغير السعر الذي ينبغي أن تتم عليه.

 

وأضاف: إن الكثير ممن يرغبون البيع والشراء بهذه الصور المحرمة لا يعرفون أن البيع والشراء بهذه الصور محرم شرعًا، وتكاد تصل نسبتهم إلى 50% فنصفهم يعرف والنصف الآخر لا يعرف. وعندما أوضح لهم أن البيع بهذه الصورة حرام شرعًا فالبعض منهم يقتنع أن هذا حرامٌ، والبعض الآخر لا يقتنع، ولا فرق لديه أن يتم البيع بهذه الصورة أو غيرها، فالمهم عنده أن يأخذ المقابل في النهاية. وعندما أؤكد له على تحريم هذا البيع ينصرف إلى تاجر آخر، ويبيع لـــه ويشتري كمـــا يـريد، بغض النظر عما إذا كان هذا حلالًا أم حرامًا.

 

وأضاف إنه لا يقبل كذلك أن تتم عملية بيع وشراء الذهب بالآجل كأن يدفع المشتري جزءًا من الثمن، ثم يقوم بدفع الجزء الباقي في وقت آخر، وذكر عبارة «يدًا بيد»، وكأنه قد اقتبسها من الحديث الشريف، وأن هناك الكثير لا يستوعبون ولا يفهمون – خاصة النساء لأنهن أكثر من يتردد على محلات الذهب – ولا يدركن أن البيع بهذه الصورة أو غيرها مما هو محرم غير جائز شرعًا، فينصرفن إلى آخر، حتى يتم البيع والشراء كما يردن.

 

وتابع الزعبي: إنه في بعض الأحيان تفرض علينا طبيعة الحال أن نتعامل مع شركات الذهب بالآجل، ونثبِّت سعر الذهب بالسعر الذي اشتريناه به، فنقوم بتسديد سعر الذهب على دفعات بالسعر الذي اشتريناه به. فهذا ما تفرضه الظروف في بعض الأوقات.

 

وختامًا.. هل أدركنا مدى حرص الشرع الحنيف على مصلحة المكلفين وعلى مصلحة كل من البائع والمشتري، حتى لا يقع الناس في معاملات قد تضرهم بسبب عدم معرفتهم؟! فسبحان من هذا شرعه، وسبحان من هذا تدبيره.